القاضي عبد الجبار الهمذاني
117
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : إن الاستفساد هو الدعاء إلى الفساد ، والأمر به دون ما ذكرتم . قيل له : إن الدعاء إليه والأمر به إنما يقبحان لمثل ما ذكرناه ؛ وهو أنه أقرب إلى وقوع الفساد منه عندهما . فلو لم يكن الأمر الّذي يختار عنده ولأجله الفساد لا محالة استفسادا ، لم يكن ما ذكرته أيضا استفسادا . يبين ما ذكرناه أن المكلف لو لم يقف على هذا الأمر والدعاء ، ولم يعلم بمكانهما ، لم يوصف فاعلهما بأنه مستفسد به ، ولا كانا بهذه الصفة / ( ويقبحان لأمر آخر ) ، فإذا شرط في كونه استفسادا علم المكلف بحالهما ، فقد دل ذلك على أن المعتبر في كون الشيء استفسادا ما « 1 » ذكرناه ، لا يكون الواقع أمرا ودعاء . يبين ما قلناه أن أحدنا لو دعا الزنجي الّذي لا يعرف العربية إلى الفساد باللغة العربية ، لم يعد ذلك استفسادا له ؛ لأنه ليس بأن يكون بهذه الصفة فيما يرجع إليه أولى من أن يكون استصلاحا مع جهله بمعناه ، وتجويزه أن تعلقه بالفساد كتعلقه بالصلاح ، ومتى دعا العربي بمثل هذا القول إلى الفساد ولم يعرف ذلك ، فكمثل « 2 » ، ومتى دعاه ووقف على الحال « 3 » منه يكون مستفسدا . فالعلة في كونه استفسادا هي ما ذكرناه ، لأن كونه استفسادا يتبعها « 4 » دون كونه أمرا ودعاء . فإن قال : ما أنكرتم أن الاستفساد هو هذا القول « 5 » متى عرفه المكلف ودعاه ذلك إلى الفساد ، والدعاء والأمر يختصان بهذه الصفة متى وقعا على هذا الوجه . قيل له : إذا اعتبرت في كونهما استفسادا وقوعهما على هذا الوجه ، وكان غيرهما « 6 » قد يتلوهما « 7 » في هذا الوجه ، فكيف نخصهما بأنهما استفساد دون ما ذكرناه ؟
--> ( 1 ) في الأصل : « بما » . ( 2 ) أي فكمثل ما سبق من حال الزنجي الّذي لا يعرف العربية . ( 3 ) أي عرف المقصود بما دعى إليه . ( 4 ) أي يتبع العلة . ( 5 ) أي هو هذا المعنى الّذي ذكرتموه . ( 6 ) في الأصل : « غيرها » . ( 7 ) في الأصل : « يتلواهما » .